المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العراقيون بين دولة القانون ودولة العدالة


hushuk
09-02-2010, 08:10 AM
العراقيون بين دولة القانون ودولة العدالة
بقلم : د. عادل البياتي (كاتب عراقى) ..سوف تتزاحم الشعارات واللافتات الانتخابية في المدن العراقية، لمختلف الكتل السياسية، في العراق، كلٌ ينادى بشعارات براقة، ويُطلق وعوداً معسولة، وترغيبات هوائية، وأحلاماً وردية، ومن يقرأ الإعلانات الانتخابية ويتطلع إلى اللوحات الدعائية مختلفة الحجوم والألوان، بحسب قدرة الكتلة أو الحزب، أو مقدار ما يمتلكه من تأثير وإمكانات (لسنا في معرض الحديث عن مشروعية مصادرها فتلك قصة أخرى!)، يظن أن الأمور تسير إلى أحسن ما يرام! والمواطن العراقي المظلوم، المهموم، المقهور المبتلى يقرأ ويحتار، بين أن يُصدق (الشعارات) وبين أن يكذبها واقعه المعاش، ومأساته اليومية الدائمة، منذ سبع سنوات عجاف مرت على البلاد والعباد وهم في أسوأ حال.. في بلد هو الثاني في خزين البترول!!

ومن بين الشعارات هناك من يرفع شعار (دولة القانون!!)، ظناً منهم أن الحل معقود في نواصي النصوص التي يشرّعها أصحاب المصلحة والمستأثرون بالسلطة، ويفرضون تطبيقها على السواد الأعظم من الناس، ظناً منهم أن شعار "دولة القانون" يغري الناس للقبول بهذه الكتلة أو تلك، وما علموا أن معاناة العراقيين كانت وما زالت تأتي تحت (اسم القانون)، فباسم القانون يقتل الناس ويذبحون، وباسم القانون تنتهك الحرمات، وباسم القانون تضيع الحريات، وباسم القانون يفتقد الأمن، وباسم القانون يحمى الفاسدون!!، وما علم أدعياء دولة القانون أن القانون ما هو إلا (نصوص جامدة صماء) يضعها ويصوغها المتنفذون بما يخدم رغباتهم ومصالحهم، وما القانون إلا وسيلة وليس غاية.

لقد تعرّض العراق إلى غزو جائر خلافاً وانتهاكاً للمواثيق الدولية وللقانون الدولي الذي يتمشدق به الكبار، ويحاسبون الصغار باسمه، ولكنهم ينتهكونه جهاراً، فيتم الاعتداء على دولة عضو بالأمم المتحدة، في انتهاك صريح للشرعية الدولية، وها هم يعترفون بذلك، وما جلسات مُساءلة توني بلير إلا دليل واحد من أدلة كثيرة على خرق القانون الدولي من قبل قوى غزو العراق ومن تواطأ وتحالف وتعاون معها.

وبعد الغزو اللاشرعي، جاء عهد بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق، والذي لم يحترم المواثيق الدولية بل لم يعترف بالقانون الدولي، فتلك مواثيق جنيف الخاصة بمسؤوليات دول الاحتلال، تمنع على دولة الاحتلال أن تنصّب نفسها مشرعاً، وجدنا بريمر يباشر من أول يوم وصوله إلى بغداد إصدار القوانين والتشريعات وينشرها تحدياً للشرعية الدولية في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) ويستفتح قوانينه الجائرة بقانون حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية، وبقانون اجتثاث البعث سيئ الصيت.. وما زالت قوانين بريمر الاحتلالية سارية لليوم، فباسم القانون ذبحوا الشرعية الدولية.. وباسم القانون تنتهك العدالة.. فكم من قانون صدر، لم يكن حظه من التنفيذ حاضراً، ومنها قانون العفو العام الذي تم تنفيذه بشكل انتقائي محدود ولم يشمل كل من يستحق العفو، لأن القانون أداة طيّعة بيد أصحاب القرار سواء بالنظم الدكتاتورية أو في النظم مدعية الديمقراطية!!

في ظل القانون استبيح المال العام، وتم التستر على الفاسدين وتهريبهم خارج العراق مستفيدين من ازدواجية جنسياتهم وحملهم جنسيات أخرى، خلافاً للقانون الذي وضعوه والدستور الذي كتبوه ونصّوا فيه على عدم جواز استمرار أصحاب المناصب والدرجات الخاصة بحمل جنسيتين؟! ولكن القانون لم يطبق في دولة القانون، لأن القانون عندهم انتقائي، يخدم مصالح الطبقة الحاكمة التي تسوم الناس مر العذاب باسم القانون.

أما العدالة فإنها على نقيض القانون، فهي التي تُسيّر القانون إلى بر الأمان متى كانت حاضرة واعية، أو تذهب به في بئر لا قرار لها متى غابت أو أغمضت جفونها واستسلمت للنوم. وكذلك الأمر لو أن العدالة كانت مستفيقة، لكنها تعمدت إغماض عين عن جرم وفتح عين على جرم آخر، ولذلك صوّرت العدالة في صورة امرأة حسناء معصوبة العينين وفي إحدى يديها ميزان يرمز للعدالة وفي اليد الأخرى سيف بتّار هو القانون، وهذا دلالة على أن هذا السيف سيهوي على رقبة كل من يعبث بميزان العدالة من دون نظر إلى شخص من يكون هذا العابث. ولذا قيل إن العدالة عمياء، فلا تستجيب لقول الشاعر: «وعين الرضا عن كل عيب كليلة».

إذاً فالمعادلة هي أنه على الرغم من أن القانون دائماً حاضر فإنه بغياب العدالة تختفي رؤية القانون ويتوارى عن العين على الرغم من حضوره كنصوص صماء.

إن العدالة أساس انتظام الحياة وركيزة لا غنى عنها لإقامة النظام الاجتماعي السليم، وهي باب مباشر إلى قيم السماء دون حواجز، والعدالة هي الأساس في تحقيق سعادة الفرد والمجتمع، وصون الأمن وبث الطمأنينة والاستقرار. والعدالة هي أصل الرسائل السماوية التي جاءت لنشر العدل، والعدل صفة من صفات الخالق عز جلاله. والعدالة هي الميزان الذي من خلاله يتحقق التوازن الاجتماعي ويزول الظلم والتمييز ويتحقق الإنصاف وتعرف الحدود بين الحق الفردي وحق المجتمع وبه يؤخذ الحق من المتجاوزين والمغتصبين ويعطى لأصحابه وحيث إن تطبيق العدالة وتحقيقها يرتبطان بالقانون وتطبيق القانون، فإن القانون ليس هو العدالة في ذاتها بل هو وسيلة لتحقيقها، والعدالة أشمل من القانون وإن كان القانون هو الطريق الأساس لتطبيق العدالة، إلا أن القانون هو سلاح القاضي وصولاً للعدالة وليس هو العدالة كاملة بحد ذاته. إن التطبيق الشكلي والجامد للنصوص القانونية دون إعطائها البعد الحقيقي اجتماعياً وإنسانياً وسياسياً واقتصادياً يفرغها من محتواها الإنساني ولا يحقق العدالة. القوانين إنما وضعت لخدمة الإنسان، وإنصاف المظلومين، والقانون بنصوصه المدونة لا يستطيع أن يتوقع ويشمل ويحصر جميع مشكلات الحياة الإنسانية المتحركة والمتطورة، ويضع لها الحلول نظراً لتعقد الحياة الاجتماعية وتطوّرها المستمر وبروز المستجدات والإفرازات من خلال مسيرة الحياة وواقع الظروف السياسية والاقتصادية والمعيشية والاجتماعية

العراقيون اليوم بحاجة حقيقية ومؤكدة إلى دولة العدل والعدالة، وليس إلى ما تسمى بـ"دولة القانون"، فالعدل كما يقول الإمام علي كرّم الله وجهه في كتاب غرر الحكم "العدل قوام الرعية وجمال الولاة"، وقوله " اعدل تملك"،وكذلك " العدل رأس الإيمان وجماع الإحسان وأعلى مراتب الإيمان"، وفي كتاب بحار الأنوار ورد عنه أيضاً "العدل أساس به قوام العالم"، لقد حفرت هذه المأثورات في ذاكرة المجتمع، طبائع وسمات، وركزت سجايا وجدت طريقها في التعامل الاجتماعي، ما ميزت الأفراد وبالتالي المجتمع العربي/الاسلامي عن المجتمعات الأخرى. فلا سلام دون عدالة" تطلبها بشدة مجتمعات التحول. ولا يمكن أن تستقر الأوضاع، وينعم المواطنون بالاستقرار والأمن الاجتماعي، دون أن يحتل العدل مكانه في كل الأركان. فالعدالة تشكل عنصراً أساسياً في تحقيق الطمأنينة والسلم الاجتماعي، وتعد الخطوة الصحيحة في عملية التطورالدستوري والقانوني.