saadon
11-11-2009, 09:12 AM
الانتخابات العراقية المقبلة التي ستجري في السادس عشر من كانون الثاني، لن تكون مشابهة لتلك التي جرت في العام 2005، فبين التاريخين جرى كثير من التحولات في البنية السياسية، وفي بنية المجتمع ذاته. وكل تلك التحولات فعلت فعلها في رسم خارطة سياسية جديدة، فيها ما هو مختلف وفيها ما هو قديم. المزاج الشعبي، رغم تشاؤمه من المستقبل، الا انه يرغب في رؤية خارطة سياسية جديدة، ووجوها أخرى، وواقعا خدميا يراعي متطلبات المواطنين. لقد انتهت مرحلة كانت ثقيلة على الجميع، وهذا ما يعترف به حتى من كان ممسكا بزمام مفاتيح السلطة. أغلب الائتلافات تفككت، بل وصار بعضها معاديا للبعض، بعد ان دخل اكثر من طرف في حرب مع الآخرين، كما حصل للائتلاف الشيعي حيث استحكم العداء بين حزب الدعوة والتيار الصدري، ثم لاحقا بين الدعوة والمجلس الاسلامي الأعلى. الورقة الرائجة ذات يوم، وهي الطائفية، أصبحت تهمة، الجميع ينأى بنفسه عنها. القوات الأميركية اختفت من المدن تقريبا، بعد توقيع الاتفاقية الأمنية مع الحكومة، وتنظيم القاعدة ما عاد مؤثرا، وهو في طريقه للزوال. في حين ضربت الميليشيات بعنف، وأزيحت عن الخارطة. هذا هو واقع الحال في السنوات الأربع الأخيرة. انهارت ايضا جبهة التوافق، وتشظت القائمة الوطنية العراقية، واختفت أحزاب وظهرت أحزاب.
وفي الزمن القصير المتبقي بدأت معالم الواقع السياسي الجديد تتشكل. وتشكلها لم يكن في معزل عن التجربة الماضية. ومن يتأمل في الائتلافات الجديدة التي ولدت في بحر الأيام، والأسابيع الماضية، يلاحظ فيها ملامح متشابهة. ربما تختلف الوجوه فقط لكن التركيبة، واللغة المستخدمة، والمشاريع المستقبلية، تكاد كلها تكون نسخة واحدة. الائتلاف الوطني العراقي، ائتلاف دولة القانون، الحركة الوطنية العراقية، الأحرار، عراقيون، جبهة التوافق، وغير ذلك من تسميات، كلها تحاول اعطاء فكرة عن توجه تلك الائتلافات. عدا الحزب الشيوعي العراقي الذي قد ينزل بقائمة منفردة، فكل القوائم تتكون من تكتلات وأحزاب وحركات، اضافة الى الأفراد ذوي الشخصيات الاجتماعية المعروفة. اما التحالف الكردستاني، وكان يضم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والاتحاد الاسلامي، فيبدو انه سيحتفظ بوحدته السابقة. ويعتقد ان كتلة التغيير التي يقودها نوشيروان مصطفى قد تدخل الانتخابات في الاقليم منفردة. ومن أوجه التشابهات في الخارطة الجديدة هو هيمنة الرجال على تلك الائتلافات، وهذا يؤكد على ان العقلية الذكورية مسيطرة ومنتفخة، وهي ما زالت تسود المشهد النخبوي مثلما تسود في الشارع. ولولا نظام (الكوتا) المفروض من قبل الحاكم المدني السابق بول بريمر في قانون الدولة العراقية، حيث وضع نسبة خمس وعشرين بالمئة للمرأة، فعلى الأغلب لن تكون هناك مقاعد نسائية حتى بين اشد الائتلافات تشدقا بالحرية، والديمقراطية، وحقوق الانسان. هذا واضح من الدعايات التي ظهرت اثناء الاعلان عن تلك الائتلافات. وجود المرأة كان رمزيا، ولا يتناسب بحال مع نسبتها في المجتمع.
المعروف ان نسبة المرأة في المجتمع تفوق الستين بالمئة. ارتفاع النسبة سببه مفهوم، اذ كان للحروب والهجرات والتصدعات الاجتماعية دور هائل في تدني نسبة الرجال. اضطراب الشارع بعد سقوط النظام حجر المرأة في البيت حتى وقت قريب. والسمة الأخرى لتلك الائتلافات هي محاولتها كلها تقريبا الجمع بين مكونات المجتمع، سنة وشيعة ومسيحيين وأكراداً وتركمان وأقليات، وذلك في مسعى بصري، على الأقل، أمام شاشات التلفزيون لتأكيد وطنيتها، وعبورها فوق الحواجز المذهبية والقومية. علما أن ثمة أحزابا مهيمنة، طائفية، بلون واحد، بقيت هي المحور لبعض تلك الائتلافات. ائتلاف دولة القانون على سبيل المثال محوره حزب الدعوة. الائتلاف الوطني محوره المجلس الاسلامي الأعلى والتيار الصدري، وجبهة الوفاق محورها الحزب الاسلامي. فوق ذلك ثمة تركيز على شيوخ العشائر، فهم باعتقاد تلك الائتلافات قوة انتخابية ضاربة قد تجيّر أصوات أبناء العشيرة الى الائتلاف المعني، مع أن هذه النظرة فيها مصادرة للوعي في الريف الذي قطع أشواطا طويلة في الوعي الوطني والسياسي.
ومسوغ ابراز شيوخ القبائل والعشائر جاء نتيجة لعبهم دورا أساسيا في فرملة الحرب الطائفية قبل ثلاث سنوات. هناك حقيقة يعرفها الناس وهي أن معظم العشائر، سواء في الشمال او الجنوب، تنقسم الى سنة وشيعة، بهذه النسبة او تلك. وهناك ايضا تداخل بنسب معينة حتى بين العشائر العربية والكردية. كما أن معظم الائتلافات ذات وجوه قديمة. الوجوه التي صنعت، أو شاركت في أحداث السنوات الست الماضية، بما فيها القتل، والتصفيات، والفساد الاداري، والتهريب، والتواطؤات مع مخابرات دول مجاورة، والإرتباطات مع بقايا النظام السابق. ولا يحسب لتلك الوجوه من ايجابيات الا النزر القليل، وحتى هذا القليل صنعه العراقيون البسطاء، اللاطائفيون، والمرجعيات الدينية الحكيمة، والمثقفون الوطنيون، والأكاديميون الذين لم ينجرّوا الى مستنقع الطائفية. الوجوه القديمة اغلبها ذات ماض لا يسر الناخب، وتلك معضلة الانتخابات القادمة. ابراهيم الجعفري، اياد علاوي، نوري المالكي، صالح المطلك، جلال طالباني، مسعود بارزاني، احمد ابو ريشة، بهاء الأعرجي، مثال الآلوسي، جواد البولاني، طارق الهاشمي، عادل عبد المهدي، وعشرات من النخبة السياسية في واجهة المشهد، لا ترضي هذا الطرف أو ذاك، هذا المكون أو غيره، بسبب موقف سابق أو توجه مختلف عليه أو مغايرة في تعريف هوية البلد.
والمواطن عليه أن يختار، حيث إنه سيحشر بين تلك الخيارات وأغلبها مر، وتم له تجريبه، وقد أورثه ملايين المهجرين، وآلاف الجثامين مجهولة الهوية، وعشرات الآلاف من اليتامى، وجيش جرار من العاطلين عن العمل، وجرائم غامضة لا يجرؤ أحد من سياسيي البلد، العتاة، الكشف عنها. والمشتركات الأخرى ايضا اعتماد الجميع على كاريزما الأعضاء، ممن تبوأوا مناصب حكومية أو برلمانية أو شيوخ قبائل أو رجال دين. والبعض تم تجميعهم على ضوء تلك الكاريزمات فقط. اذ ما الذي يربط بين رجل دين مذهبي حتى النخاع، وبين علماني قح خبير بالنظريات الحديثة في بناء المجتمعات؟ وما الذي يربط بين دكتور في العلوم الزراعية وشيخ عشيرة لا يعرف سوى شجرة الأنساب؟ وطبعا مع غياب برنامج حقيقي يقدم للناخب سيتساوى الجميع بلا شك. ولا يعود أي فرق بين هذا وذاك.
ولعل الملاحظة الأبرز في ائتلافات ما قبل الانتخابات تلك، خلوها من مثقفين بارزين معروفين في الوسط الأكاديمي، على صعيد البحث، والتأليف، والابداع، والفن، والصحافة. وكأن لسان حال تلك الائتلافات يقول: هؤلاء لا هم بالعير ولا هم بالنفير. وبالتالي ما على المثقفين والمتعلمين والأكاديميين سوى توقع الأسوأ. وليعدوا العدة منذ الآن لكي يواجهوا حكومة تكمم الأفواه، وتدوس على حقوق الانسان، وتحجّب النساء والعقول، وتستخف بضمير الشعب. حتى تصبح بنايات السينما مواضع لبيع الخضار، والمسارح مضافات للعشائر، والصحف مماسح لأفواه الساسة الطائرين على أجنحة الفضائيات، والقصائد ردحا وتطبيلا ومديحا، والموسيقى مزمار ابليس في جهنم. لكن هذه اللوحة المتشائمة قد يقلبها الناخب غدا رأسا على عقب، فرأسمال العلمانية في العراق الجديد لا يمكن تجاهله في بورصة رجال الدين المتهالكة.
المستقبل
وفي الزمن القصير المتبقي بدأت معالم الواقع السياسي الجديد تتشكل. وتشكلها لم يكن في معزل عن التجربة الماضية. ومن يتأمل في الائتلافات الجديدة التي ولدت في بحر الأيام، والأسابيع الماضية، يلاحظ فيها ملامح متشابهة. ربما تختلف الوجوه فقط لكن التركيبة، واللغة المستخدمة، والمشاريع المستقبلية، تكاد كلها تكون نسخة واحدة. الائتلاف الوطني العراقي، ائتلاف دولة القانون، الحركة الوطنية العراقية، الأحرار، عراقيون، جبهة التوافق، وغير ذلك من تسميات، كلها تحاول اعطاء فكرة عن توجه تلك الائتلافات. عدا الحزب الشيوعي العراقي الذي قد ينزل بقائمة منفردة، فكل القوائم تتكون من تكتلات وأحزاب وحركات، اضافة الى الأفراد ذوي الشخصيات الاجتماعية المعروفة. اما التحالف الكردستاني، وكان يضم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والاتحاد الاسلامي، فيبدو انه سيحتفظ بوحدته السابقة. ويعتقد ان كتلة التغيير التي يقودها نوشيروان مصطفى قد تدخل الانتخابات في الاقليم منفردة. ومن أوجه التشابهات في الخارطة الجديدة هو هيمنة الرجال على تلك الائتلافات، وهذا يؤكد على ان العقلية الذكورية مسيطرة ومنتفخة، وهي ما زالت تسود المشهد النخبوي مثلما تسود في الشارع. ولولا نظام (الكوتا) المفروض من قبل الحاكم المدني السابق بول بريمر في قانون الدولة العراقية، حيث وضع نسبة خمس وعشرين بالمئة للمرأة، فعلى الأغلب لن تكون هناك مقاعد نسائية حتى بين اشد الائتلافات تشدقا بالحرية، والديمقراطية، وحقوق الانسان. هذا واضح من الدعايات التي ظهرت اثناء الاعلان عن تلك الائتلافات. وجود المرأة كان رمزيا، ولا يتناسب بحال مع نسبتها في المجتمع.
المعروف ان نسبة المرأة في المجتمع تفوق الستين بالمئة. ارتفاع النسبة سببه مفهوم، اذ كان للحروب والهجرات والتصدعات الاجتماعية دور هائل في تدني نسبة الرجال. اضطراب الشارع بعد سقوط النظام حجر المرأة في البيت حتى وقت قريب. والسمة الأخرى لتلك الائتلافات هي محاولتها كلها تقريبا الجمع بين مكونات المجتمع، سنة وشيعة ومسيحيين وأكراداً وتركمان وأقليات، وذلك في مسعى بصري، على الأقل، أمام شاشات التلفزيون لتأكيد وطنيتها، وعبورها فوق الحواجز المذهبية والقومية. علما أن ثمة أحزابا مهيمنة، طائفية، بلون واحد، بقيت هي المحور لبعض تلك الائتلافات. ائتلاف دولة القانون على سبيل المثال محوره حزب الدعوة. الائتلاف الوطني محوره المجلس الاسلامي الأعلى والتيار الصدري، وجبهة الوفاق محورها الحزب الاسلامي. فوق ذلك ثمة تركيز على شيوخ العشائر، فهم باعتقاد تلك الائتلافات قوة انتخابية ضاربة قد تجيّر أصوات أبناء العشيرة الى الائتلاف المعني، مع أن هذه النظرة فيها مصادرة للوعي في الريف الذي قطع أشواطا طويلة في الوعي الوطني والسياسي.
ومسوغ ابراز شيوخ القبائل والعشائر جاء نتيجة لعبهم دورا أساسيا في فرملة الحرب الطائفية قبل ثلاث سنوات. هناك حقيقة يعرفها الناس وهي أن معظم العشائر، سواء في الشمال او الجنوب، تنقسم الى سنة وشيعة، بهذه النسبة او تلك. وهناك ايضا تداخل بنسب معينة حتى بين العشائر العربية والكردية. كما أن معظم الائتلافات ذات وجوه قديمة. الوجوه التي صنعت، أو شاركت في أحداث السنوات الست الماضية، بما فيها القتل، والتصفيات، والفساد الاداري، والتهريب، والتواطؤات مع مخابرات دول مجاورة، والإرتباطات مع بقايا النظام السابق. ولا يحسب لتلك الوجوه من ايجابيات الا النزر القليل، وحتى هذا القليل صنعه العراقيون البسطاء، اللاطائفيون، والمرجعيات الدينية الحكيمة، والمثقفون الوطنيون، والأكاديميون الذين لم ينجرّوا الى مستنقع الطائفية. الوجوه القديمة اغلبها ذات ماض لا يسر الناخب، وتلك معضلة الانتخابات القادمة. ابراهيم الجعفري، اياد علاوي، نوري المالكي، صالح المطلك، جلال طالباني، مسعود بارزاني، احمد ابو ريشة، بهاء الأعرجي، مثال الآلوسي، جواد البولاني، طارق الهاشمي، عادل عبد المهدي، وعشرات من النخبة السياسية في واجهة المشهد، لا ترضي هذا الطرف أو ذاك، هذا المكون أو غيره، بسبب موقف سابق أو توجه مختلف عليه أو مغايرة في تعريف هوية البلد.
والمواطن عليه أن يختار، حيث إنه سيحشر بين تلك الخيارات وأغلبها مر، وتم له تجريبه، وقد أورثه ملايين المهجرين، وآلاف الجثامين مجهولة الهوية، وعشرات الآلاف من اليتامى، وجيش جرار من العاطلين عن العمل، وجرائم غامضة لا يجرؤ أحد من سياسيي البلد، العتاة، الكشف عنها. والمشتركات الأخرى ايضا اعتماد الجميع على كاريزما الأعضاء، ممن تبوأوا مناصب حكومية أو برلمانية أو شيوخ قبائل أو رجال دين. والبعض تم تجميعهم على ضوء تلك الكاريزمات فقط. اذ ما الذي يربط بين رجل دين مذهبي حتى النخاع، وبين علماني قح خبير بالنظريات الحديثة في بناء المجتمعات؟ وما الذي يربط بين دكتور في العلوم الزراعية وشيخ عشيرة لا يعرف سوى شجرة الأنساب؟ وطبعا مع غياب برنامج حقيقي يقدم للناخب سيتساوى الجميع بلا شك. ولا يعود أي فرق بين هذا وذاك.
ولعل الملاحظة الأبرز في ائتلافات ما قبل الانتخابات تلك، خلوها من مثقفين بارزين معروفين في الوسط الأكاديمي، على صعيد البحث، والتأليف، والابداع، والفن، والصحافة. وكأن لسان حال تلك الائتلافات يقول: هؤلاء لا هم بالعير ولا هم بالنفير. وبالتالي ما على المثقفين والمتعلمين والأكاديميين سوى توقع الأسوأ. وليعدوا العدة منذ الآن لكي يواجهوا حكومة تكمم الأفواه، وتدوس على حقوق الانسان، وتحجّب النساء والعقول، وتستخف بضمير الشعب. حتى تصبح بنايات السينما مواضع لبيع الخضار، والمسارح مضافات للعشائر، والصحف مماسح لأفواه الساسة الطائرين على أجنحة الفضائيات، والقصائد ردحا وتطبيلا ومديحا، والموسيقى مزمار ابليس في جهنم. لكن هذه اللوحة المتشائمة قد يقلبها الناخب غدا رأسا على عقب، فرأسمال العلمانية في العراق الجديد لا يمكن تجاهله في بورصة رجال الدين المتهالكة.
المستقبل